الشيخ السبحاني
41
رسائل ومقالات
في « إيثار الحق على الخلق » وما جمعه مؤلف « علاقة الإثبات والتفويض » « 1 » من كلمات المنتمين إلى السلف ، كلّها مشاغبات ومناظرات في غير محلّها ، تكشف عن أنّ هؤلاء لم يَمسّوا كتاباً كلامياً ، ولم يناظروا متكلّماً إسلامياً . إنّ الإسلام دين عالمي تكلّم في الكون والتشريع بأبسط الوجوه ، ومن المعلوم أنّ خصومه يتربّصون به الدوائر فيثيرون عجاجة الشبهات على أُصوله وفروعه بين حين وآخر ، وطبيعة الحال تقتضي أن يكون هناك علماءٌ أفذاذ محيطون بمنطق الخصم وحقيقة الإسلام ، ليردّوا عنه سهام الأعداء ، ويصونوا المسلمين من الوقوع في مصائد هؤلاء ، والمتكلّم هو ذلك الإنسان الرسالي المدافع بمنطقه وأُسلوبه عن كيان الإسلام وعقيدة المسلمين بأساليب مختلفة وفي كلّ زمان . فلو ترك الإسلام دون أن يناظر في أُصوله وفروعه لاعتراه الوهن وخَمَد نوره ، وانطلاقاً من ذلك صار علم الكلام ضرورة زمنية ملحة . نعم إنّ العقيدة الإسلامية التي هي عصارة الكتاب العزيز ، والسنّة النبوية ، بنيان مرصوص لا تتزعزع بالترّهات والشبهات ، فهي كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف . نعم العقيدة الإسلامية - كما وصفت - لها رصيدها الغيبي ، وهي مستقاة من الوحي الذي لا يتطرق إليه الخطأ . لكن الذي يُحَفِّز المفكر الإسلامي على مزاولة علم الكلام ومدارسته ، والتطلّع إلى سائر المدارس البشرية أو الإلحادية ، هي أُمور نشير إليها إجمالًا : 1 . انّ المجتمع البشري صار - اليوم - كقرية واحدة ، والمسلمون يعيشون في أجواء وثنايا التيارات المتضادة وهم ليسوا ببعيدين عن أصحاب
--> ( 1 ) . طبع بمكة ، وقدّم له ابن باز .